فاتن بن حسن- الأيقونة الثقافية
إذا جاك الموت يا وليدي ..موت على طول..اللى اتخطفوا فضلوا أحباب صاحيين فى القلب..كإن ماحدش غاب..هذه وصية “يامنة” للشاعر الفذ عبد الرحمان الأبندوي وهذا ما أقدم عليه زياد الرحباني بتسليم جسده للموت طواعية وعن طيب خاطر ليبقى في الذاكرة محفورا بكم هائل من الذكريات والمواقف.
يمكننا أن نجزم بأن زياد الرحباني اختزل في شخصه هموم وهواجس المواطن العربي، هكذا كان يجب أن نقدمه صراحة ودفعة واحدة لكن صيغة هذا الاعتراف في الماضي وهذا ما يحز في النفس ربما لأننا توقعنا عمرا أطول للرحباني أو ربما لأن عربة الموت المجنونة خطفت رجلا بحجم وطن .. على إثر إذاعة الخبر والتأكد منه، أول أمر جال بالبال ما من فعل آخر سيؤتيه زياد أو تصريح ناري يفقد السياسيين أعصابهم ..وما من أغنية أخرى سنسمعها بصوت السيدة فيروز أو رشا رزق أو غيرها من الفنانات…لا شي غير الفراغ بعد هذا التاريخ، 26 جويلية 2025.

إنه، هو كما هو، الوطن المشتهى أين الحرية والعدالة تأخذان مكانهما الحقيقيان وتحرض “هضامته اللبنانية” على رغبة ملحة في الانتماء للوطن بكل مافيه من تناقضات وسلبيات، وهو الناقد اللاذع لكل أشكال التخلف و”الحمرنة” والاستغلال و على حدّ قوله.
حين سألت السيدة فيروز عن إبنها زياد قالت إنه “الكاميرا” التي تلتقط اللحظة وتحولها إلى ابداع حقيقي وهذا ما يلتقي مع تصريح زياد حين أكد أن أغنية “كيفك انت” كانت حوارا بسيطا بينه وبينها بعد غياب وخصام..
الرحابنة وتونس ..الحكاية
تبدأ صباحاتنا بصوت فيروز ومن ورائها العائلة الرحبانية هي عادة تجتاح الوطن العربي وهي ظاهرة نظن أنها تستوجب تفسيرا لنسأل أنفسنا لم هي بالذات؟ ماهي المقاييس؟ وكيف استطاعت أن تستحوذ على المهجة والروح؟ ربما ونؤكد على ربما هذه أن الأمر يعود للكثير من الصدق والحرفية والالتزام وبعض من العبقرية والحظ.

لم ننتبه في تونس إلى زياد الرحباني إلا في أغنية “كيفك انت” التي شكلت تحولا كبيرا في مسيرة السيدة فيروز وتوجهت لها انتقادات تحوم أساسا حول انحراف فيروز عن المسار الذي رسمه عاصي الرحباني والحقيقة أن زياد بدأ تعامله مع والدته منذ أغنية “سألوني الناس” سنة 1973 هذه الأغنية التي كتب مطلعها زياد وأكملها عمه كانت أشبه بامتداد لنفس عاصي الرحباني بدليل أنها لاقت استحسانه لكن بعد ذلك هنالك خطوة أخرى ودرب طويل لفيروز وزياد معا..
بعد غناء الموشحات والمسرحيات الغنائية وقصائد الأخطل وسعيد عقل.. يحمل زياد والدته برفق إلى ركن بعيد في الموسيقى ذلك الركن الذي فيه الواقع بكل تشوهاته وبين أزقة المدينة الصدئة.. “الجاز” تلك الموسيقى النابعة من معاناة السود في أمريكا والتي تستبطن عميق المشاعر الإنسانية وتدعو إلى إعلاء القيم الكونية الحقيقية …وما هدف الرحابنة في نهاية الأمر أليس تثوير الشعوب؟ على الأقل هذا ما نريد أن نعتقده ونصر عليه!
“كيفك انت” كما أسلفنا وحسب تصريح من زياد في احدى حواراته كانت حوارا بسيطا بينه وبين السيدة فيروز استوحى منه الأغنية، بعد خصام بينهما التقيا صدفة فوُلدت هذه الرائعة التي ستبقى مرجعا موسيقيا إلى جانب العديد من الأغاني نذكر “قصة صغيرة” و”ضاق خلقي” و”بلا ولاشي” أو حب يساري و”اسمع يا رضا” و”هيلا يا واسع” و”صباح ومسا” و”تتذكر وما تنعاد”والقائمة طويلة.
وان كان الانسان أثر فأي أثر تركه زياد يكفينا أن نستذكر مواقفه السياسية الجريئة فقد كان في كل مرة يبرهن أنه فنان عضوي يتفاعل مع مشاغل الشعب ويطرح رؤيته وينتقد الساسة بكل ما يمتلك من سخرية، ويبجل المرأة في فنه حين قال “وراء كل امرأة عظيمة، ولا حدا، الله خالقها عظيمة مو ضروري يكون وراها حدا” وفي أغنية “عايشة وحدا بلاك” فضلا عن مسيرة أزهرت فنا وجمالا ملونة برهافة حس وصدق نادر تجاوزت حدود لبنان ليكون نبراسا لجميع الأحرار في العالم أو هكذا ترى عين العاشق!
قالت عنه فيروز “يا حبذا ريح الولد ..ريح الخزامى في البلد أهكذا كل ولد أم لم يلد مثلي أحد” و”زياد عبقرية فنية أخذت ملامحها من رأي زياد نفسه بالحياة والانسان والوطن والشعب”..أي تقديم هذا وأي تقدير واحترام إنها تراه بعين الأم ثم بعين الفنانة فتضمه إلى مصاف العظماء في ملامحها الحزينة من وراء النظارات السوداء في مراسم الجنازة..
كتب زياد عن المواطن العربي والأوضاع المتقلبة التي يعيشها لبنان فقدم مسرحيات مثل “العقل زينة” وسهرية 1973 ونزل السرور 1974 وبالنسبة لبكرا شو؟ 1978 وفيلم أميركي طويل 1980 وشي فاشل 1983 وبخصوص الكرامة والشعب العنيد 1993..

الأكيد، الأكيد أننا سنذكر لزياد جملا قيلت في مسرحياته أو تصريحاته مثل “الله خالقك انسان ليه مصر على الحمرنة” أو “فيه ناس بينهم وبين الفهم سوء فهم” و “المصاري الي انسرقت من لبنان تكفي لتعليم البقر البلاغة والرقص والعزف على البيانو لكنها ما بتكفي لتعليم الحمير معنى الوطن” أو حتى في اجابته على بعض الأسئلة “ما رأيك في دولة من دون رأس السلطة …فكانت اجابته بترقص رقص يعني انت حاسس فيه تغيير؟”
زياد كان حالة فنية وإنسانية فريدة من نوعها اذ ابتعد عن الإرث الرحباني وأسس لنفسه بعدا آخر ومساحة تخصه وحده مع التزامه بقضايا الوطني العربي وقضايا وطنه بكل عمق وبساطة، ونقصد بالبسيط ذلك القريب من عقل المواطن حيث طوع اللهجة اللبنانية للتحدث عن المشاغل السياسية والاجتماعية لجل البلدان العربية ليؤكد لنا في كل مرة أن “كلنا في الهم شرق”.
بـــــــــلا ولا شـــــي
بلا مقدمات أحببناه في تونس نحن الذين نعشق الكوميديا السوداء ونميل إليها كلما اسودت الدنيا .. بكاه المفقرون والمعدمون وأصحاب النكتة والسياسيون والفنانون لأنه كان يحكينا ويضعنا أما مرآة الحقيقة، ينبش في الجرح ويعريه، يسخر من واقع أصبح عصيا على الفهم، أحببناه دون شرط وحين قدم حفله في مهرجان الحمامات “غضبنا” لأنه لم يقل مساء الخير أو ما شابه من كلمات الترحيب ليتدارك في حفله الثاني ..إذ كان له موقفا من مهرجانات تونس التي يراها تجارية بامتياز على حساب الفني والثقافي.. ونحن بكل الأحوال نحترم موقفه أو هكذا وجب!
أي وجع يعتصر قلب فيروز الآن بعد أن انفض الجمع، لا أحد منا يمكنه تخيل تلك الحفرة التي أخذت تنخر قلبها ولا أحد يمكنه معرفة حجم الألم وإكراه تقبل الفراق والفقد خلف ذلك الوجه الذي بدا أمام الكاميرا متماسكا وصلبا..