الأيقونة الثقافية
لما بلغنا الخبر بأن الفنان الفاضل الجزيري قد غادرنا، عادت بنا الذاكرة السمعية إلى مسرحية غسالة النوادر وتلك الطرادة الجميلة التي كانت بمثابة تقريع مسهب عن “حلاقم” باب سويقة مسقط رأس الراحل وفيها “والحاج..الحاج على طوالة في قهوتو بعيد على البلل..يتغبن قالهم قلتلكم نعرفها بنت الكلب …وبدا يرحم على الطسيلة والأصيلة والي فقس والي رقّص والي حبلت والي قبلت والي زغرطت والي بشرت والي طهر والقرى وورّا وعلّم وفسّر وأعطى بورص ومسؤولية وبيرو وشاوش للمهندس الي كان سبب في حلاقم باب سويقة”.. الذي أبدع هذا النص هو المسرحي محمد ادريس لكن الأداء قد تفوق على الكلمات – يكفي أن تبحث على موقع يوتوب كي تفهم ما نرنو إليه.
الاثنين 11 اوت 2025 تاريخ انتهاء الرحلة للفنان الفاضل الجزيري بعد 77 عام من العمر بعد أن أسهم في تأسيس مسرح الجنوب بقفصة سنة 1972، ثم المسرح الجديد سنة 1976 مع رفيق دربه الفاضل الجعايبي، حيث قدّما معًا أعمالًا مسرحية خالدة مثل “العرس” و”غسّالة النوادر” و”عرب” و”الكريطة”.
الجزيري الذي قدم لنا الغناء الشعبي في جمالية أحرجت السلطة الأمر الذي اضطرها لبرمجته في مهرجان قرطاج الدولي فكان إسماعيل حطاب والهادي حبوبة وليليا الدهماني وغيرهم في عرض لا ينسى..
الجزيري الذي نفض على “الحضرة” الغبار ليقدمها مرة أخرى للتونسي ويقبل على عروضها هذا الأخير و”يتخمر” على الأناشيد الدينية وكان يفتخر بما قدمه طيلة مسيرة ناهزت الخمسة عقود، فكان يردد “الشُغّل الي أنا نقدمو ما يعملو حد”..
ابتعد الفاضل الجزيري لزمن عن المسرح وأخذته الرحلة إلى العروض الفرجوية الكبرى فكانت أكثر من نسخة من الحضرة كما قدم عرض المحفل وانطلق في مغامرة السينما فنذكر من بين أعماله ترافيرسي (عبور) لمحمود بن محمود و”سجنان” لعبد اللطيف بن عمار والميسيا لروبرتو روسيليني و”ثلاثون” و”خسوف” و”قيرة”
لكنه عاد مؤخرا إلى المسرح من خلال “كاليغولا” وهي من المسرح الكلاسيكي و”جرانتي العزيزة” وهي كوميديا موسيقية تحكي حيثيات الثورة التونسية على طريقته
هذا المد والزجر في رحلة عمر الفاضل الجزيري مكنته من أن يأخذ من الفن أجمله ومن التجربة أغناها ومن المغامرة طيشها ومن الأسلوب الطلائعي نهجا للعديد من الفنانين الأخيرين فكان النور الذي قاد الكثيرين فكان التأثر به حدّ التماهي.
ابن باب سويقة (وُلد سنة 1948 ) يرحل عنا ليترك فضاء ثقافيا بجزيرة جربة، رافق والده الذي كان بائع كتب في باب سويقة ومديرًا لمقهى رمسيس ونزل الزيتونة، كان يلتقي الأدباء والفنانون والمسرحيون، ما شكّل بيئة ثقافية غنية صقلت شخصية الفاضل الجزيري منذ الصغر، كما كان ناشطًا طلابيًا وسياسيًا، وشارك في مظاهرات 1968 وإضرابات كلية الآداب، قبل أن يسافر إلى لندن .